عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
195
اللباب في علوم الكتاب
والثالث : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من « حفظة » ؛ إذ لو تأخّر لجاز أن يكون صفة لها . قال أبو البقاء « 1 » : « عليكم » فيه وجهان : أحدهما : هو متعلّق ب « يرسل » . والثاني : أن يكون في نيّة التّأخير ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بنفس « حفظة » ، والمفعول محذوف ، أي : يرسل عليكم من يحفظ أعمالكم . والثاني : أن يكون صفة ل « حفظة » قدمت فصارت حالا . قوله : والمفعول محذوف يعني : مفعول « حفظة » ، إلّا أنّه يوهم أنّ تقدير المفعول خاصّ بالوجه الذي ذكره ، وليس كذلك ، بل لا بدّ من تقديره على كلّ وجه ، و « حفظة » إنما عمل في ذلك المقدّر لكونه صفة لمحذوف تقديره : ويرسل عليكم ملائكة حفظة ؛ لأنه لا يعمل إلّا بشروط هذا منها ، أعني كونه معتمدا على موصوف ، و « حفظة » جمع « حافظ » ، وهو منقاس في كلّ وصف على فاعل صحيح « اللام » لعاقل مذكر ، ك « بارّ » و « بررة » ، و « فاجر » و « فجرة » ، و « كامل » و « كمله » ، وينقل في غير العاقل ، كقوله : « غراب ناعق » و « غربان نعقة » « 2 » . فصل في معنى الحفظة هؤلاء الحفظة هم المذكورون في قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] . وقوله : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 18 ] وقوله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] . والمقصود بهؤلاء الحفظة ضبط الأعمال ثم اختلفوا فقيل : إنهم يكتبون الطّاعات والمعاصي والمباحات بأسرها لقوله تعالى : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] . وعن ابن عبّاس أنّ مع كلّ إنسان ملكين ؛ أحدهما : عن يمينه ، والآخر عن يساره ، فإذا تكلّم الإنسان بحسنة كتبها [ من ] « 3 » على اليمين ، وإذا تكلّم بسيئة قال من على اليمين للذي على اليسار : انتظره لعلّه يتوب منها ، فإن لم يتب كتبت عليه « 4 » . والأوّل أقوى ؛ لأن قوله : « يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً » يفيد حفظة الكل من غير تخصيص . والثاني : أنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على اطّلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 245 . ( 2 ) في ب : نقعه . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي ( 13 / 13 ) .